المحقق البحراني

81

الكشكول

لهم : إن فعلتم ذلك مرة أخرى تركتكم وأخذت هذه الزاهدة وسافرت إلى بلد أخرى ، فحلفوا أن لا يقربوا عريشها . وبقيت القرطى في ذلك البستان إلى أيام الربيع ، فاتفق أن الملك خرج ذات يوم للتنزه ومعه أرباب دولته حتى وصل إلى ذلك البستان فقال لوزيره : إني أحب التنزه في هذا البستان فدخله وجاء صاحب البستان وقبل يدي الملك ودعا له بالدولة والسعادة ، ثم جلس الملك في ذلك البستان فجاء صاحب البستان إلى الزاهدة وقال لها : اعلمي أن الملك قد أقبل إلى هذا البستان وأنا خائف عليك منه وأخاف أن يأتيك أحد من جنوده ويؤذيك ويضيق صدرك وصدري ، فإن أذنت لي نقلتك إلى داري وأخفيت مكانك . فقالت : حبا وكرامة ، فحملها إلى زاوية من البستان وفيها بيت مهجور كان يضع فيه السعف والتبن ، وكان حوله نخل كثير قد سد باب البيت وحوله أشجار من الرمان والتين قد أظلم البيت فوضعها هناك وخرج عنها . فأما الملك فإنه قد قعد في إيوان في ذلك البستان وقدامه روضة فجعل ينظر إلى البستان فأعجبه نضارته وطراوته وزهره فقال : أيها الوزير أما تنظر إلى هذه الحديقة وما كساها اللّه تعالى من الزهر والألوان ؟ فقال : أيها الملك لو علمت ما تقول هذه الورود لزاد تعجبك ؟ فقال الملك : أو يتكلم هذا النبات ؟ قال : نعم لسان حاله يقول نظما ونثرا أما الورد فيقول نثرا : إني كنت مستترا بالأكمام فإنه برز بي الملك العلام لمجلس الكرام وكساني ثوبا قشيبا فلوني أحمر عجيب يضاهي وجنات الحبيب . وأما قوله نظما : ورد الورود بشيرا بالذي فيه * من لطف المعاني قد حوى فانثنى البان له منعطفا * يلثم النشر الذي فيه انطوى مال يشكو أهيف القد له * فرط ما يلقاه من جور الجوى فرثاه الورد إذ قال له * نحن خلان تساهمنا الهوى فأنا أنت كما أنت أنا * نحن في المعنى جميعا في الشوى قسما باللّه حلفا صادقا * بالذي قدما على العرش استوى ان في شرح غرامي عبرة * لذوي اللب إذا القلب ارعوى أنا بالأمس كبدر طالع * وأنا اليوم كنجم قد هوى وأما النرجس فقوله نثرا : أنا أنظر إلى صحيبي وأسلم عليه بعد مشيبي فخاطري للمشاورة وناظري ناظر للمناظرة قصب الزمرد أساسي وعطري طيب